كتب : الدكتور عمر خويله
المملكة الأردنية الهاشمية ليست دولة عابرة في تاريخ المنطقة، بل وطن عصيّ على الفتن، قويّ بمنعته، راسخ بقيادته الحكيمة، شامخ بشعبه الواعي الأصيل، الذي حمل على الدوام رسالة العروبة والإنسانية، وفتح أبوابه وبيوته وقلوب اهله لأشقائه العرب والمسلمين، وتقاسم معهم رغيف الخبز ولقمة العيش ومرارة الظروف.
سوريا ليست مجرد دولة جارة، بل هي أرض الحضارة والثقافة والتاريخ، وموطن شعب عريق رقيق المشاعر، لم تنل منه المحن، ولم تطفئ الحروب جذوة أصالته، وظل عبر التاريخ قادرا على النهوض والتجدد مهما اشتدت العواصف.
الأردن وسوريا ليسا مجرد بلدين تجمعهما الحدود والجغرافيا، بل شعب واحد امتداد لشعب، وتاريخ يتداخل مع تاريخ، وروابط اجتماعية وثقافية ودينية وأخلاقية ضاربة في جذور الأرض والوجدان. هذه العلاقة أكبر من أن يهزها طاغية، وأعمق من أن تمزقها فتنة، وأقوى من أن تنال منها كلمات مسيئة تصدر عن أصحاب الأجندات المشبوهة.
لقد تابعنا في الآونة الأخيرة، وفي أعقاب الأحداث الأخيرة في سوريا، محاولات بائسة لإشعال نار الفتنة بين الشعبين، وصدرت إساءات لا تمثل إلا أصحابها، ولا تعكس أخلاق الشعب السوري الأصيل. والمؤلم أن بعض من يقفون خلف هذه الإساءات عاشوا بين ظهرانينا في الأردن، وعرفوا معنى أن يكون للأخوة وطن يحتضنهم حين تضيق بهم الأوطان.
عندما اشتدت المحنة السورية وأغلقت أبواب كثيرة في وجه العائلات المنكوبة، فتح الأردن أبوابه واحتضن الزوجات والأطفال، وشارك أشقاءه لقمة العيش وحبات الدواء، ولم يسألهم عن انتماء أو موقف سياسي او دين ، بل تعامل معهم بوصفهم إخوة وأشقاء، فكان لهم سندا وعونا وملاذا آمنا في أيام الشدة. كان الأردنيون أنصارا حين كان أشقاؤهم السوريون في محنة اللجوء، وهذه مواقف لا تمحوها ذاكرة الزمن ولا تنكرها إلا النفوس التي فقدت أصالتها واخلاقها.
ونحن على يقين بأن السوري الأصيل لا يسيء إلى من أحسن إليه، ولا يرمي حجرا في بئر شرب منه يوما، ولا ينكر معروفا قدمه له أخ أو شقيق. أما أصوات التحريض والإساءة، أيا كانت الجهات التي تقف خلفها، فلا يجوز أن نسمح لها بأن تختطف صورة شعب كامل أو تسمم علاقة تاريخية بين بلدين وشعبين تعايشا وتصاهرا وجمعتهم المحبه والطهر.
إن مواجهة الفتنة لا تكون بفتنة مضادة، ولا بالانجرار إلى لغة الإساءة والكراهية، بل بالوعي والحكمة والتمسك بالأخوة، وترك الحسابات السياسية وأصحاب المصالح الضيقة جانبا. فالأوطان أكبر من منشور مسيء، والشعوب أعمق من تعليق عابر، والتاريخ لا تصنعه حسابات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ولقد كان الرد الأردني على حملات الإساءة مثالا يستحق التقدير؛ فقد غلب الوعي على الغضب، والأخلاق على الاستفزاز، والمحبة على الكراهية. وكانت الرسالة الأردنية الحكوميه والشعبيه واضحة وبسيطة وعميقة في معناها:
هذول إخواننا… وسوريا بلدنا، والأردن وسوريا أهل ودم وتاريخ واحد.
وهنا تكمن قوة الأردن الحقيقية؛ في وعي شعبه، وثبات مواقفه، وقدرته على إطفاء الفتن قبل أن تتحول إلى نار تحرق الجميع.
رسالتي إلى أهلنا في سوريا: لا تسمحوا لأصحاب الفتن أن يسرقوا منكم أخا، ولا تجعلوا إساءة فرد سببا في جرح علاقة شعبين. فالأردن سيبقى للأشقاء سندا، وسوريا ستبقى في وجدان الأردنيين وطنا عزيزا وشعبا شقيقا.
قد تتغير الأنظمة وتتبدل الحكومات وتذهب الطغاة، لكن الأخوة بين الشعوب تبقى.
الأردن وسوريا حكاية أخوة لا تنتهي، ورابط لا تقطعه الفتن، وتاريخ لا تمحوه حملات التحريض.
حفظ الله الأردن وسوريا، وحمى شعبينا من كل سوء، وأدام بيننا المحبة والسلام.





