انجاز-خص الزميل عدنان نصار الكاتب والروائي الكبير وكالة كنانة نيوز بهذه المقالة الرائعة والمميزة عن لوء بني كنانة بعنوان
بني كنانة.. رحلة في المكان والذاكرة من حريما إلى عقربا
أدب الرحلات في شمال إربد.. قرى تتكئ على الذاكرة، وأرض تفتح نوافذها على اليرموك وسوريا
ثمة أمكنة لا تكفيها الخريطة، ولا تستطيع الصور أن تختصر حكايتها.
أمكنة إذا مررت بها مرة، بقي شيء منها فيك؛ شجرة على طرف الطريق، بيت قديم، رائحة تراب، صوت ماء، أو وجه إنسان يذكّرك بأن المكان ليس حجارة وأرضًا فقط، وإنما ذاكرة أيضًا.
هكذا تبدو لي بني كنانة، ذلك اللواء الممتد في أقصى شمال محافظة إربد، حيث تتعانق القرى والتلال والسهول والوديان، وتتشابك الجغرافيا مع حكايات الناس.
في بني كنانة يمكن أن تبدأ الرحلة من قرية، لكنها لا تنتهي عند قرية أخرى.
فالطريق نفسه يصبح حكاية.
حريما.. البداية
من حريما تبدأ الرحلة.
قرية تستقبلك بهدوء الشمال، حيث الأرض الزراعية والبيوت المتقاربة وأشجار الزيتون التي تبدو وكأنها جزء من ذاكرة المكان.
ومن حريما تنفتح الطريق باتجاه الزوية، فتتغير المشاهد قليلًا، لكن الإحساس بالمكان يبقى واحدًا.
هنا تبدأ رحلة لا نريد فيها أن نعدّ القرى، وإنما أن نقرأها.
الزوية وخرجا.. حين تدخل الطبيعة في الحكاية
في الزوية، تظل الأرض هي العنصر الأبرز في المشهد.
ثم نصل إلى خرجا، حيث تمنح الطبيعة المكان خصوصية أخرى.
الماء والوديان والشلالات، إلى جانب الأرض الزراعية، تجعل خرجا واحدة من المحطات التي تستحق أن يتوقف عندها المسافر، لا ليلتقط صورة فقط، وإنما ليتأمل علاقة القرية بالطبيعة.
برشتا وقرقوش.. الطريق إلى ذاكرة الناس
ومن خرجا تمضي الرحلة إلى برشتا، ثم قرقوش.
قرى لا تحتاج إلى كثير من الزينة حتى تقول إنها تنتمي إلى هذه الأرض.
ففي الريف، الجمال غالبًا هادئ.
بيت قديم، شجرة تين، حقل قمح، جدار حجري، أو طريق يعرفه أهل القرية منذ عشرات السنين.
وما لا تقوله اللوحات الإرشادية، تقوله الذاكرة.
حرتا ويبلا والرفيد
ثم نواصل السير نحو حرتا، ويبلا، والرفيد.
ثلاث محطات أخرى في هذه الرحلة الشمالية، حيث تتداخل الزراعة مع حياة الناس، وتظل القرية حاضرة في تفاصيلها اليومية.
في مثل هذه الأماكن، يمكن للزائر أن يفهم أن القرية ليست مجرد تجمع سكاني.
إنها نمط حياة.
إنها علاقة بين الإنسان والأرض، وبين الجار وجاره، وبين الأسرة ومواسمها.
حبراص وكفرسوم
ومن هناك إلى حبراص وكفرسوم.
هنا تتسع الحكاية أكثر، وتظهر ملامح الريف الذي ظل سنوات طويلة يعيش على إيقاع الأرض والموسم.
في الذاكرة القديمة كان للزراعة تقويمها الخاص؛ للحراثة وقت، وللزراعة وقت، وللحصاد وقت، وللبيدر موعد تنتظره العائلات.
وكان الناس يعرفون الأرض كما يعرفون أسماء أبنائهم.
سمر وسحم والعشة وملكا
ثم تتواصل الرحلة نحو سمر وسحم والعشة وملكا.
كل واحدة من هذه البلدات تملك تفاصيلها، لكن ثمة روحًا مشتركة تجمعها.
روح الشمال الأردني التي تظهر في طبيعة البيوت، وفي علاقة الناس ببعضهم، وفي الأرض التي ظلت لسنوات مصدر الرزق والحكاية.
وكلما ابتعدت السيارة عن بلدة، بدا لك أنك تقترب من ذاكرة أخرى.
المنصورة.. حيث تتسع الجغرافيا
وفي المنصورة يبدو المشهد أكثر اتساعًا.
الأفق مفتوح، والطرق تتوزع، والأرض تحمل آثار مواسم متعاقبة.
لكن أجمل ما في المكان ليس ما تراه العين وحدها.
الأجمل هو أن تتخيل كيف كان الناس يعيشون هنا قبل أن تصل وسائل الراحة الحديثة إلى تفاصيل حياتهم.
كيف كانوا يزرعون؟
كيف يحصدون؟
كيف يخبزون؟
وكيف كانت القرية كلها تشارك في أفراحها وأحزانها؟
الخريبة.. أمي فزة الشرع وذاكرة القرية
ثم نصل إلى الخريبة.
وهنا تتوقف الرحلة قليلًا.
ليس لأن الطريق انتهى، وإنما لأن الذاكرة تقدمت.
في الخريبة كانت أمي فزة الشرع، رحمها الله، تعيش القرية بكل معناها الحقيقي.
لم تكن القرية بالنسبة إليها منظرًا ريفيًا جميلًا.
كانت حياة.
كانت نقل الماء، حين كان الماء يحتاج إلى جهد ومشقة.
وكانت الذهاب إلى البيدر، حيث القمح وذاكرة الموسم.
وكان هناك خمّ “الجاج”، ذلك التفصيل الذي قد يبدو بسيطًا اليوم، لكنه كان جزءًا من الحياة اليومية.
وكان هناك فرن الطابون.
وهنا تختصر رائحة الخبز قصة جيل كامل.
العجين، النار، اليد التي تفرد الرغيف، والبيت الذي تمتلئ أجواؤه برائحة الخبز.
كانت أمي تعيش هذه التفاصيل دون أن تعرف أنها ستصبح يومًا ذاكرة.
لم تكن تعرف أنها تحفظ، من حيث لا تدري، صورة قرية كاملة.
ولهذا، عندما أكتب عن الخريبة، لا أكتب عن قرية فقط.
أكتب عن أمي.
وأكتب معها عن زمن.
أم قيس.. عندما يصبح الحجر ذاكرة
بعد الخريبة، تتواصل الرحلة باتجاه أم قيس.
وهنا يدخل التاريخ على المشهد.
الحجر الأسود، الأعمدة، الأقواس، وبقايا المدينة القديمة، كلها تمنح المكان هيبة خاصة.
لكن أم قيس ليست مجرد آثار.
إنها موقع يطل على مساحة واسعة من الأرض، ويمنح الزائر إحساسًا بأن التاريخ والطبيعة يمكن أن يلتقيا في نقطة واحدة.
تقف هناك، فتشعر أن المكان يفتح أمامك صفحات كثيرة؛ بعضها كتبته الحضارات، وبعضها كتبه الفلاحون وأهل القرى بأيديهم وأيامهم.
المخيبتان.. الفوقا والتحتا
ومن أم قيس تمتد الرحلة إلى المخيبتين: الفوقا والتحتا.
وهنا يعود المشهد إلى الريف بتفاصيله الهادئة.
أرض وبيوت وطرق، وذاكرة اجتماعية تشبه كثيرًا ذاكرة قرى الشمال، لكنها تحتفظ بخصوصيتها.
إنها تلك الأماكن التي قد لا يتوقف عندها السائح طويلًا، لكنها بالنسبة لأهلها عالم كامل.
الحمة.. عند تخوم الحدود
ثم نصل إلى الحمة، المتاخمة للحدود الأردنية الفلسطينية.
هنا يصبح للمكان إحساس مختلف.
الأرض لم تعد مجرد أرض زراعية أو قرية؛ إنها جزء من جغرافيا الحدود، من تاريخ المنطقة، ومن ذاكرة الشمال.
وتبدو الحدود في مثل هذه الأماكن أقل حضورًا في حياة الناس من حضورها على الخرائط؛ فالإنسان يرى أمامه أرضًا متصلة، بينما ترسم السياسة خطوطها.
وهنا تكتسب الرحلة بعدًا آخر.
فأنت لا تسير في قرى فقط، بل تسير في منطقة عرفت التاريخ، وعرفت التحولات، وظلت شاهدة على جغرافيا أكبر من حدودها.
عقربا.. نهاية الطريق وبداية الأفق
ثم نعود إلى عقربا.
وهنا أحب أن تكون نهاية الرحلة.
ليس لأن عقربا آخر الطريق فحسب، وإنما لأنها تمنح الرحلة خاتمة تليق بها.
تقف هناك، وتنظر بعيدًا.
تطل على هضاب سوريا الشقيقة، فيبدو الأفق مفتوحًا على بلد قريب في الجغرافيا، عزيز في الذاكرة، تفصلنا عنه حدود، لكن لا تستطيع الحدود أن تلغي الجوار والتاريخ.
ومن عقربا، تبدو الرحلة كلها وكأنها تعود إلى نقطة واحدة:
الأرض.
الأرض التي بدأت منها الحكاية في حريما، ومضت عبر الزوية وخرجا والقصف والسيلة وبرشتا وقرقوش وحرتا ويبلا والرفيد وحبراص وكفرسوم وسمر وسحم والعشة وملكا والمنصورة والخريبة وأم قيس والمخيبتين والحمة، ثم عادت إلى عقربا.
لكنها لم تعد الرحلة نفسها.
فالطريق الذي بدأ جغرافيًا انتهى إنسانيًا.
المكان الذي يبقى
هذا هو أدب الرحلات الذي أحب.
أن لا أعود من المكان ومعي صور فقط.
أن أعود ومعي حكاية.
أن أرى قرية، فأسمع صوتًا قديمًا.
أن أرى بيدرًا، فأذكر أمي.
أن أشم رائحة خبز، فأستعيد بيتًا غاب أهله.
وأن أقف في عقربا، وأنظر إلى هضاب سوريا، فأدرك أن الجغرافيا قد تضع الحدود، لكنها لا تستطيع أن تضع حدودًا للذاكرة.
بني كنانة ليست مجرد مجموعة بلدات وقرى في شمال إربد.
إنها ذاكرة ممتدة.
وكتاب مفتوح.
وطن صغير داخل الوطن الكبير، كتب أهله صفحاته بالماء والقمح والزيتون والخبز، وبالحب الذي بقي في الأمكنة بعد أن غادر أصحابها.
وحين تنتهي الرحلة، لا يبقى في الذاكرة اسم الطريق فقط.
يبقى المكان.
ويبقى الناس.
وتبقى الحكاية.
ويبقى صوت أمي فزة الشرع، رحمها الله، في مكان ما من تلك الذاكرة، وهي تحمل ماء القرية، وتمضي إلى البيدر، ثم تعود إلى فرن الطابون…
وكأنها كانت تعرف، دون أن تدري، أن بعض التفاصيل لا تموت.





