بقلم الأستاذ الدكتور نضال الشريفين.
للكلمة في فم المسؤول وزنُ المنصب، وتبعةُ السلطة، وأثرٌ قد يتجاوز قصد قائلها؛ فالناس يسمعون في عبارته صوت المؤسسة، ويقرؤون في تصريحه ملامح موقفها، لذلك، فإن الكلام من موقع المسؤولية أمانةٌ تُؤدَّى بعلم، وعهدٌ يُصان بالتثبت؛ فرُبَّ عبارةٍ أطلقتها العجلة، وأعجزت الحكمةَ عن تدارك آثارها،ولنا في حكمة قائدنا وبُعد بصيرته قدوةٌ؛ فالكلمة أمانة، والتثبّت نهج، ولكل مقامٍ مقالٌ يصون الحقّ ويُعلي هيبة الدولة.
وأول مقتضيات هذه الأمانة أن يعرف المسؤول قبل أن يصف، وأن يتثبت قبل أن يحكم، وأن يزن كلمته قبل أن يطلقها. فلا يجعل من الانطباع دليلًا، ولا من الإشاعة حقيقة، ولا من الانفعال حكمًا. وما لم يستوثق من صحته استيثاقًا يبدد الشك، فلا يقدمه للناس حقيقةً قاطعة؛ فما بقي موضع احتمال، وجب أن يُقال بحدود احتماله. فالثقة في نبرة الصوت لا تمنح الكلام برهانًا، وعلوُّ المنصب لا يجعل الظنَّ يقينًا.
ومن حق الناس على المسؤول أن يصارحهم بحدود معرفته، فإن جهل، قال: لا أعلم؛ وإن نقصت معلوماته، قال: أتحقق؛ وإن خرج السؤال عن اختصاصه، أحاله إلى أهله،وأن لا يصدر حكمًا في لحظة سكرةٍ يدفع الآخرون ثمنها، ففي الاعتراف بحدود المعرفة نزاهة، وفي احترام الاختصاص حصافة، وفي الإمساك عن القول بغير علم شجاعة. أما ملء الفراغ بعبارات فضفاضة، والاحتماء بكلام يحتمل كل شيء، فمراوغةٌ تؤجل السؤال وتضاعف تبعاته، ومن هانت عليه دقة العبارة، ثقلت على الناس عواقبها.
إننا نتألم لما نراه من سلوكيات تؤذي مجتمعنا، وتجاوزات تمس قيمه وطمأنينته. لكن وجع المجتمع يستدعي بصيرةً تضبط الانفعال، وعدالةً تمنع التعميم، وإجراءً يعالج الخلل. فلا يُدان الناس بالشبهة، ولا تُختزل الوقائع في مشهد، ولا تُستباح السمعة بتصريح. وكلما كان الحكم أشدَّ أثرًا، كان واجب التثبت أعظم؛ فقد ينقضي التصريح في لحظة، ويبقى جرحه في حياة إنسان سنوات.
وأشد ما يثقل الكلمة الرسمية أن تنحدر إلى مجاملة زائفة: تُجمِّل تقصيرًا، أو تسترضي جمهورًا، أو تعد بما لا تملك. فالناس أصحاب حقوق، ينتظرون حقيقةً تهديهم، وعدالةً تنصفهم، وعملًا يرون أثره. والكلام الجميل يفقد جماله حين يستر واقعًا قبيحًا، والتعاطف يفقد صدقه حين يصبح بديلًا عن الإنصاف. واحترام مشاعر الناس يقتضي صدق الموقف، ودقة الوعد، والوفاء بما يُقال.
وليس الصمت المحمود حجبًا للحقيقة، ولا تهربًا من سؤال واجب؛ إنه صمت التثبت حتى تكتمل المعرفة، وصمت الانضباط حين يكون الكلام لجهة مختصة. أما حيث تجب المصارحة، فالكلمة واجب، ووضوحها حق للناس. والحكمة أن يعرف المسؤول متى يقول، وماذا يقول، وبأي دليل يقول؛ وأن يملك شجاعة إعلان الحقيقة، ورزانة الوقوف عند حدودها. فكم من صمتٍ صان حقًّا، وكم من نطقٍ أضاعه.
ولهذا، ينبغي أن يُحاسَب المسؤول على كل حرف ينطقه من موقعه؛ فالحرف قد يصير اتهامًا، والاتهام قد يهدم سمعة، والوعد قد يعلّق عليه الناس مصائرهم. ومن حقهم أن يسألوا عن سند القول، وصلته باختصاص قائله، ومسؤوليته عن أثره. فإذا أخطأ، وجب التصحيح؛ وإذا ظلم، وجب الإنصاف؛ وإذا ضلّل، وجبت المساءلة. فالاعتذار الصادق يعيد للثقة بعض ما أفقدها الخطأ، أما المكابرة فتستنزف ثقة الناس وهيبة المؤسسة.
نحتاج إلى مسؤول يسبق علمُه قولَه، ويسبق تثبُّتُه حكمَه، ويشهد فعلُه لصدق وعده؛ يعرف أن المنصب يضاعف التبعة، وأن الكلمة إذا خرجت لم يعد يملك حبس أثرها. فمن لم يملك دليلَ القول، فليملك شجاعةَ الإمساك عنه؛ ومن تصدّر للحكم، فليتهيأ للمساءلة. هكذا تُصان حقوق الناس، وتُحفظ هيبة المؤسسات، وتبقى الكلمة في مقامها: أمانةً ينطق بها العلم، ويحرسها الضمير




