بقلم :رمزي الغزوي
لكل فصل دهشته الخاصة للشتاء حميميته التي تدخل بيوتنا مع أول طرقة مطر على زجاج نافذة، وللربيع ضحكة الدحنون وخجل الأقحوان ونعس السوسن، وللصيف لياليه الطويلة المعلقة بقمر ساهر وحكايات تطول. أما الخريف فيأتي كأنه يحمل من إخوته الثلاثة شيئا، ثم يخلطها جميعا في مزاجه الغريب، ويمنح الأرض وجها لا يشبه إلا نفسه.
دخل الخريف علينا ، وفي أطراف ثوبه شيء من صيف لم يجمع حقائبه كاملة بعد. ما تزال الشمس تتدلل نهارا، وما تزال الليالي تحتفظ ببعض دفئها، لكن نسمة خفيفة تكفي كي تقول إن شيئا ما تبدل في سر العالم. الكروم تثقل بعناقيدها، والتين يختزن آخر حلاوته، والسماء تبدأ تمرينها الطويل على الغيم.
وفي الخريف شتاء صغير يزورنا من دون موعد. غيمة عابرة، ورشة مطر مباغتة، ورائحة تراب تصعد من الأرض كأنها ذاكرة قديمة فتحت بابها فجأة. ولعل رائحة المطر الأول من الأشياء القليلة التي لا تحتاج إلى شرح؛ نشمها فنعرفها، كأن أجسادنا تحفظها منذ طفولة الأرض.
وفيه شيء من الربيع أيضا. عصافير الفجر تستعيد ضجيجها الجميل قبل أن يثقل الشتاء أجنحتها، وورد الغريب يختار هذا الوقت تحديدا كي يعلن ألوانه، كأنه يريد أن يقول إن للزهور أكثر من تقويم، وإن الحياة لا تسأل الفصول دائما متى يحق لها أن تزهر.
لكن أجمل دروس الخريف تلك الورقة الصفراء التي تنفصل عن غصنها وتتهادى نحو الأرض. ننظر إليها فنحسب أن حكايتها انتهت، فيما تكون الشجرة قد بدأت في المكان نفسه إعداد برعم جديد. لا موت كاملا في الطبيعة؛ هناك تبدل في الهيئة، وانتقال من صورة إلى أخرى، ودورة تعرف الأرض أسرارها أكثر منا.
لهذا لا أحزن كثيرا أمام شجرة تتخفف من أوراقها. أراها تتعلم فن التخلي كي تستطيع أن تبدأ مرة أخرى. وربما نحن أيضا نحتاج إلى خريف صغير في أرواحنا، نسقط فيه ما أثقلنا، ونترك للريح ما لم يعد يصلح لحياتنا، ونفسح مكانا لبرعم لم يولد بعد.
أهلا بالخريف. أهلا بقطعان غيامه الهائمة، وبمطره الناعم حين يعانق أرضا عطشى، وبالورق الأصفر حين يذكرنا، في لحظة سقوطه، أن النهاية بداية جديدة والصفار طريق لخضار يبهج.
خلف الورقة الصفراء حياة
التحرير
٢٤ أيلول ٢٠٢٦ 2 دقائق قراءة




