بقلم أ. د. نضال الشريفين.
تستحق نتائج الأردن في PISA 2025 قراءةً هادئة تتجاوز ثنائية الاحتفاء أو التشاؤم. فالبيانات الرسمية تؤكد أن أداء الطلبة تحسن مقارنة بدورة 2022: ارتفع متوسط العلوم من 375 إلى 407 نقاط، والرياضيات من 361 إلى 388، والقراءة من 342 إلى 363. وهذا تحسن حقيقي لا يصح إنكاره. لكن المشكلة القياسية تبدأ عندما يُتخذ عام 2022، وهو عام مثّل مستوى شديد الانخفاض للأردن، مرجعًا وحيدًا للحكم على نجاح النظام التعليمي؛ فالارتفاع من نقطة قاع لا يساوي بالضرورة تقدمًا طويل المدى.
وفي الرياضيات، وهي المجال الذي تسمح OECD للأردن بمقارنته زمنيًا بصورة مباشرة عبر الدورات بسبب انتقال الأردن من الاختبار الورقي إلى المحوسب عام 2022، تكشف الصورة بوضوح الفرق بين التعافي والتقدم،فقد حصل الأردن على 400 نقطة عام 2018، ثم هبط إلى 361 نقطة عام 2022، قبل أن يرتفع إلى 388 نقطة عام 2025. وبذلك استعاد نحو 27 نقطة من خسارته البالغة قرابة 39 نقطة، لكنه بقي أقل من مستوى 2018 بنحو 12 نقطة، وتؤكد OECD نفسها أن نتيجة الرياضيات في 2025 ما تزال دون مستوى 2018، وعليه، فإن الوصف الأدق ليس عودة إلى المستوى السابق ولا تقدمًا تاريخيًا، بل تعافٍ قوي من هبوط 2022 لم يكتمل بعد.
كما أن المقارنة الدولية تمنع الاكتفاء بمؤشر التغير الداخلي، ففي 2025 بلغ متوسط الأردن 388 في الرياضيات مقابل 463 لمتوسط OECD، و407 في العلوم مقابل 482؛ أي فجوة تقارب 75 نقطة في كل منهما، والأهم تربويًا أن 31% فقط من طلبة الأردن بلغوا المستوى الثاني فأعلى في الرياضيات مقابل 65% في OECD، و48% في العلوم مقابل 74%، بينما بلغت النسبة في القراءة 26% فقط مقابل 69%. كما أن نسبة ذوي الأداء المرتفع في الأردن تكاد تكون معدومة في المجالات الثلاثة، وهذه المؤشرات أكثر دلالة من ترتيب الدولة وحده؛ لأنها تكشف مقدار الطلبة الذين يمتلكون الحد الأدنى من الكفايات اللازمة لتوظيف المعرفة.
ولا يكفي تفسير هبوط الأردن السابق بأن العالم كله تراجع، صحيح أن PISA شهد تراجعًا دوليًا واسعًا، بل إن متوسطات OECD في 2025 وصلت إلى مستويات تاريخية منخفضة في الرياضيات والقراءة، لكن الاتجاه لم يكن قدرًا عامًا متساويًا؛ فقد حافظت أنظمة تعليمية على مستويات مرتفعة، وحققت دول أخرى تحسنًا. بل إن الأردن نفسه كان من الدول ذات التحسن الملحوظ بين 2022 و2025. وهذا يجعل النتيجة الحالية إيجابية من زاوية سرعة الاسترداد، لكنه لا يلغي السؤال الأكثر أهمية: هل عاد النظام إلى مستوى أدائه السابق؟ وهل بدأ يضيق فجوة الكفاية مع الأنظمة الأعلى أداءً؟ الإجابة حتى الآن: ليس بصورة كافية.
ومن منظور القياس والتقويم، ينبغي التحفظ في مقارنة درجات القراءة والعلوم لعام 2025 مباشرة بدرجات الأردن في 2018؛ إذ تشير OECD إلى أن انتقال الأردن إلى التطبيق المحوسب في 2022 لا يضمن قابلية المقارنة الزمنية في هذين المجالين، ولذلك تبدأ خطوط الاتجاه الرسمية لهما من 2022. أما الرياضيات فتظل أساس المقارنة الطويلة الأكثر سلامة، وهذه نقطة منهجية جوهرية حتى لا يتحول النقد المشروع إلى استنتاج يتجاوز ما تسمح به خصائص القياس.
وفي المحصلة فإن نتائج PISA في العام 2025 تحمل للأردن خبرًا جيدًا، لكنه ليس شهادة اكتمال إصلاح. نعم، حدث تحسن ملموس مقارنة بعام 2022، ومن الإنصاف الاعتراف به؛ لكن اتخاذ أدنى نقطة سابقة خطَّ أساس وحيدًا قد يضخم صورة الإنجاز. المعيار الأكثر صرامة هو استعادة مستوى ما قبل الهبوط ثم تجاوزه، وتقليص الفجوة الدولية، وخفض نسبة الطلبة دون مستوى الكفاية، وزيادة نسبة ذوي الأداء المرتفع. لذلك فإن الرسالة العلمية المتوازنة هي: الأردن يسير في اتجاه تعافٍ واضح، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة يمكن وصفها بالتقدم المستدام؛ فالاحتفاء الحقيقي ينبغي أن يبدأ عندما يتحول الارتداد عن القاع إلى مسار طويل المدى يتجاوز مستوى 2018 ويقترب بصورة ملموسة من المعايير الدولية.



