وكالة إنجاز الإخبارية
وكالة إنجاز الإخباريةعين الحقيقة

من التحذير إلى الفعل: قراءة في خطاب الملك ومستقبل الأمن الإقليمي

التحرير
٢٣ أيلول ٢٠٢٦ 6 دقائق قراءة
من التحذير إلى الفعل: قراءة في خطاب الملك ومستقبل الأمن الإقليمي

بقلم الأستاذ الدكتور حابس الزبون
رئيس جامعة جدارا

حين يقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة محذّرًا من أن «ما نهمله اليوم، غالبًا ما يشكّل مستقبلنا»، فإنه لا يقدّم وصفًا بلاغيًا لحال العالم، بل يضع يده على أصل المأزق الذي تعيشه منطقتنا: أزماتٌ عُرفت أسبابها منذ عقود، وتكررت التحذيرات من عواقبها، لكن الإرادة الدولية اكتفت بإدارة نتائجها بدلًا من معالجة جذورها.

هذه هي الفكرة المركزية في الخطاب الملكي. فالعالم لا يفتقر إلى المعلومات عمّا يحدث في فلسطين، ولا إلى الأدوات التي يمكنه استخدامها لوقف الانتهاكات، وإنما يفتقر إلى الاتساق بين ما يعلنه من مبادئ وما يتخذه من قرارات. وحين تُترك هذه الفجوة لتتسع، يصبح التقاعس الدولي عنصرًا مؤثرًا في الأزمة، لا مجرد موقف على هامشها.

أمن الأردن يبدأ من قراءة ما يتشكّل حوله

وضع جلالة الملك أمن الأردن في سياقه الإقليمي الحقيقي. فما يجري في غزة والضفة الغربية، وما تشهده سوريا من توغلات وفرض وقائع جديدة، لا يمكن عزله عن مستقبل الاستقرار في المملكة. لذلك جاءت عبارته قاطعة: «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي».

تحمل هذه العبارة معنى يتجاوز حماية الحدود بالمعنى التقليدي. فالأمن المائي يمس حياة المواطنين، وقدرة الاقتصاد على النمو، وفرص الأجيال المقبلة. وأمن الحدود يرتبط باستقرار الجوار، وبمواجهة تهريب المخدرات والإرهاب، وبمنع انتقال الأزمات إلى الداخل الأردني. ومن ثمّ، فإن النظر إلى هذه الملفات كلٍّ على حدة يضعف القدرة على فهمها؛ لأنها في الواقع تتفاعل وتراكم آثارها على الدولة والمجتمع.

ومن هنا تبرز أهمية التحذير الملكي بشأن جنوب سوريا. فالتوغلات وفرض الحقائق على الأرض، ولا سيما حين تمس مصادر مائية حيوية، تستدعي موقفًا دوليًا يحفظ سيادة سوريا ويمنع اتساع دائرة الخطر. وقد أعلن جلالة الملك الموقف الأردني بوضوح لا يقبل الالتباس: «سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا».

القضية الفلسطينية: أصل الأزمة لا ملفها المؤجل

في قراءته للمشهد الفلسطيني، رفض جلالة الملك الفصل بين غزة والضفة الغربية. فالدمار في غزة، وتسارع الاستيطان والاستيلاء على الأراضي والتهجير في الضفة، يلتقيان في نتيجة واحدة: تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وهذه قراءة تفسّر لماذا لا يكفي وقف العنف في موقع واحد إذا استمر تغيير الواقع على الأرض في موقع آخر.

لقد اعتاد المجتمع الدولي التعامل مع كل انتهاك بوصفه حادثًا منفصلًا أو إجراءً مؤقتًا. لكن تراكم الإجراءات المؤقتة يصنع واقعًا دائمًا، ثم يأتي من يطالب بالتعامل مع ذلك الواقع باعتباره نقطة انطلاق لأي تفاوض مقبل. هنا تكمن خطورة التأجيل: فهو لا يجمّد الأزمة، بل يغيّر شروط حلّها لمصلحة الطرف القادر على فرض الوقائع بالقوة.

ولا يمكن أن ينشأ سلام عادل من مسار تُترك فيه حقوق الفلسطينيين للتآكل أثناء الحديث عن الحلول. فالسلام يحتاج إلى أفق سياسي واضح، وإلى حماية المدنيين، وإلى وقف الإجراءات التي تصادر الأرض وتقوّض الحق في تقرير المصير. كما يحتاج إلى الاعتراف بأن أمن الشعوب جميعها لا يُبنى بحرمان شعب من أمنه وحريته.

التقاعس الدولي وأزمة الثقة بالقانون

طرح جلالة الملك سؤالًا يتجاوز فلسطين إلى مستقبل النظام الدولي نفسه: ماذا تبقى من قيمة القانون الدولي إذا أمكن تجاهل انتهاكاته لعقود؟ إن جوهر هذا السؤال هو الثقة. فالدول والشعوب لا تقيس قوة القانون بما يرد في نصوصه، بل بمدى تطبيقه عندما يصبح تطبيقه مكلفًا سياسيًا.

ولذلك، فإن ازدواجية التعامل مع الأزمات تُلحق ضررًا يتجاوز الحدث الراهن. فهي تضعف مصداقية المؤسسات الدولية، وتغذّي الشعور بأن العدالة انتقائية، وتترك المجال لمنطق القوة كي يحل محل القواعد المشتركة. وإذا كان المجتمع الدولي يمتلك أدوات للعقوبات والضغط والعزل الدبلوماسي ويستخدمها في قضايا أخرى، فإن الاكتفاء بالبيانات عند التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية لا يمكن أن يُقدَّم باعتباره عجزًا عن الفعل.

إن استعادة الثقة تبدأ بقرار واضح: أن تكون حماية المدنيين، ورفض التهجير، واحترام سيادة الدول، وتطبيق القانون الدولي معايير ثابتة، لا مواقف تتبدل بتبدل هوية الطرف الذي ينتهكها.

كيف يمكن الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلّها؟

يفتح الخطاب الملكي الباب أمام مسار عمل يقوم على خطوات متلازمة، بحيث لا تُستخدم الاستجابة العاجلة ذريعة لتأجيل الحل السياسي، ولا يُطرح الحل السياسي وسيلة لتجاهل معاناة الناس الآن.

أولًا، حماية المدنيين وضمان وصول الإغاثة. ينبغي أن تكون حماية الناس في غزة وسائر مناطق النزاع التزامًا عمليًا تقاس نتائجه على الأرض، بما يشمل وصول المساعدات، وحماية المرافق الطبية، ودعم المؤسسات الإنسانية وفي مقدمتها الأونروا. فليس مقبولًا أن يُطلب من الناس انتظار تسوية طويلة بينما تتفاقم حاجاتهم يومًا بعد يوم.

ثانيًا، وقف فرض الوقائع التي تُفشل الحل السياسي. أي جهد دولي جاد يحتاج إلى موقف فاعل من التوسع الاستيطاني، والاستيلاء على الأراضي، والتهجير، والعنف ضد المدنيين في الضفة الغربية. فلا يمكن التفاوض على مستقبل الدولة الفلسطينية بينما تُنتزع المقومات التي تسمح بقيامها.

ثالثًا، إحياء مسار سياسي ذي غاية محددة وآلية متابعة. لا تكفي الدعوة العامة إلى السلام؛ بل يلزم مسار تُعرَّف فيه الغاية بوضوح، وتُحدَّد له خطوات قابلة للمتابعة، وتُربط مخرجاته باحترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني. ويمكن البناء في هذا السياق على مبادرة السلام العربية بوصفها دليلًا قائمًا على أن باب السلام طُرح منذ زمن، وأن المشكلة ليست غياب تصور له.

رابعًا، تحمّل المجتمع الدولي مسؤولية المساءلة. إن القرارات التي لا يصاحبها تنفيذ تفقد أثرها، بل قد تزيد شعور المنتهك بأن الوقت يعمل لمصلحته. ولهذا لا بد من استخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة بصورة متسقة، وتقييم أثرها على وقف الانتهاكات، بدل الاكتفاء بتكرار المواقف ذاتها بعد كل تصعيد.

خامسًا، حماية استقرار سوريا وسيادتها. يحتاج أمن الجنوب السوري إلى اهتمام دولي مستدام يمنع التوغلات وفرض الوقائع الجديدة، ويحمي الموارد المائية من أن تصبح مصدر تهديد إضافي. فهذا الملف يتصل مباشرة بأمن المنطقة، وبالمصالح الوطنية الأردنية التي أعلنها جلالة الملك بجلاء.

هذه المسارات لا تغني إحداها عن الأخرى. فالإغاثة بلا أفق سياسي تُبقي الناس داخل الأزمة، والسياسة بلا حماية للمدنيين تفقد معناها، والمساءلة بلا إرادة تنفيذ تظل وعدًا مؤجلًا.

حماية المستقبل مسؤولية تبدأ اليوم

بيّن جلالة الملك أن الأردن يمضي في مسارين معًا: الاستجابة للأزمات الطارئة وبناء المستقبل. وهذه ليست صيغة للتوفيق بين أولويات متنافسة، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. فتعزيز القدرات الدفاعية ومواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات يحميان حاضر الدولة، فيما يدعم الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد قدرة المجتمع على الصمود في السنوات المقبلة.

ومن موقع الجامعات، تبرز مسؤولية موازية: إعداد جيل قادر على قراءة التحولات الإقليمية بعقل نقدي، وفهم صلة الأمن بالمياه والاقتصاد والقانون الدولي، والإسهام بالبحث والمعرفة في بناء حلول عملية. فالدولة التي تستشرف المخاطر وتطوّر أدواتها العلمية والمؤسسية تكون أقدر على حماية قرارها ومصالح شعبها.

لقد أعاد الخطاب الملكي ترتيب الأسئلة التي ينبغي للعالم أن يواجهها. السؤال ليس كم مرة يمكن احتواء التصعيد، بل كم فرصة تُفقد كلما تأخر الحل. وليس إلى متى يستطيع الأردن التحذير من الخطر، بل متى يصغي المجتمع الدولي إلى تحذير تسنده الوقائع.

سيظل الأردن، بقيادته الهاشمية، ثابتًا في الدفاع عن أمنه وحدوده ومياهه، وفي دعم صمود الشعب الفلسطيني وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ومنفتحًا على كل جهد صادق لتحقيق السلام. غير أن مستقبل المنطقة يتطلب من العالم أن يغادر موقع المراقب. فما يُترك اليوم بلا حل لن يبقى في مكانه؛ بل سيكبر، وستدفع ثمنه شعوبٌ لم تعد تملك ترف انتظار انتباه العالم.

مشاركة: