عدنان نصار
يهاتفني عميد كلية الإعلام في جامعة البتراء الأخ المقدر ا.د.علي النجادات أمس ليثني على مقالاتي في صحيفة “رأي اليوم” اللندنية الغراء..، ثم يضيف د. نجادات بكلام دافيء : أعتز بمقالاتك، وما أحوجنا الى أشياء إنسانية تبعدنا قليلا عن السياسة ..شكرته ووعدته أن أفكر بصوت عال عن ذاكرة الحي الشعبي في مدينة اربد أكبر محافظات الأردن وعاصمة الكتف الشمالي للمملكة ..، اربد بحاراتها العتيقة التي تحاكي حارات دمشق القديمة ..وها آنذا أستجيب.
في رمضان قبل أكثر من 40 سنة شمسية، كانت حارات اربد أكثر ألقا ،ودفئا ، وحضورا ..، وكانت الناس -يا علي- أكثر حرصا على المشاعر وكانت لغة المنابر أكثر صدقا ..، في وقت كان فيه “للوزير” أبهة أسطورية، ولبنات الحي طزاجة دائمة تطل علينا بعد الإفطار الرمضاني بقليل ، فيما كان أولاد حارتنا يحملون صفات الرجولة المبكرة رغم طزاجة أعمارهم ..، وكانت السياسة أعمق قدرا، وأوسع صدرا، وأكبر فعلا، وأكثر في حضورها ..!
هو رمضان
-يا علي – الذي يأخذنا من ياقة قمصاننا الملونة ،الى مديات بعيدة في الدفء والبراءة والإنسانية.. فإلى جانب العبادة ،ثمة طقوس لنا لا تحلو إلا برمضان :سهر رغم الفقر ، وضحك رغم الوجع ، وتقاسم الرغيف رغم الضنك ..وثمة أشياء تستحضرها الذاكرة ..أشياء ، من مثل :أمرة شبرة شمس نجوم ..وبنات حي الرشيد وسط اربد القديمة وهن يجتمعن بعد الفطور بقليل ..الطقس دافيء ، والأمن المجتمعي مستتب ، فاللعب بعد الفطور جزء من سيرة ومسيرة حي عتيق يفرض سطوته علينا ..إنها سطوة العشق والتصالح والتصافح والتسامح مع بعضنا ..!
أسمعني صديقي العزيز ..،لا حرج أن قلت أن شقاوتنا في الصغر كانت تحمل مسؤولية مبكرة ، ومغازلتنا البريئة لإبنة الجيران لم تكن أكثر “ردة غرة شعرنا” ونسمده بيدنا لنثير الإنتباه ..ونظرتنا الى “نعيمة” ابنة الجيران في حيينا الشعبي وهي تنطنط مثل فراشة في لعبتها مع بنات الحي المتحلقات على ناصية الطريق لم تكن أكثر من نظرة فارس ذو خلق عظيم ،وهو يراقب نطنتها: “شبرة أمرة شمس نجوم” فيما يتقافزن الصبايا الصغيرات مثل بتلات الياسمين في نيسان ..ما أجمل الأمس يا علي ..نعم صديقي ما أحوجنا الى أن نبتعد عن السياسة لو قليل .!
أنا مثلك يا علي، اتعبتني السياسة، وأتعبتني مهنة القداسة الصحافة، فهي مثل دم في وريدنا، لا يتوقف ضخها حتى في وقت إجازتتا ..حقا إنها مهنة صاحبة الجلالة .
أتبختر في أول يوم في رمضان وسط اربد العتيقة ..يا لها من ذاكرة غريبة ، تستوقفني كلما اتكأت على ججر بيت عتيق، أو نظرت الى نافذة خشبية لأستمد منها شيء من المخبوء في ذاكرتنا ..تستوقفني الذاكرة ، فهنا كانت “نعيمة” أبنة الحي العتيق تسمعني أغنية مصرية شعبية :”أمه نعيمه نعمه..رد علي وكلمني”، فيما كنت أنت يا علي من هواة أغنية: “يمة القمر ع.الباب..” أذكر جيدا كيف كان صديقنا المشترك الشاعر الراحل د.ابراهيم الخطيب يدندن على عوده :”أهواك ..
وأتمننى لو أنساك.. هو رمضان يا صاحبي ، الذي يجمعنا على موائد المحبة ..وعلى شعاع الرحمة تجتمع القلوب ..هو رمضان الذي يقلب مواجعنا كلما إفتقدنا الغائبين ..رمضان الذي كان مدفعه يفرح ولا يخيف .!!
كاتب وصحفي اردني