عمر ضمرة
منذ عام 1948 وحتى اليوم، تظل فلسطين الجرح النازف في جسد الأمة، لم تعد مجرد أرض محتلة، بل شهادة حية على انهيار الضمير الإنساني وصمت العالم المخزي. لم تكن غزة يومًا مجرد شريط ساحلي محاصر، بل باتت مرآة تكشف تواطؤ المجتمع الدولي، وسجلاً دامغًا لخيانة بعض الأنظمة العربية التي فقدت بوصلتها الأخلاقية.
أسقطت غزة الأقنعة، وعرت زيف الشعارات الغربية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ يمضي العالم في تسليح الاحتلال ومده بالغطاء السياسي، مانعًا أي محاسبة على جرائمه الوحشية. تحولت القرارات الدولية إلى حبر على ورق، لأن من صاغها هو ذاته من يحول دون تنفيذها، ليؤكد أن شريعة الغاب لا تزال تحكم هذا العالم، لكن بربطات عنق أنيقة وابتسامات مخادعة.
ما يحدث في غزة ليس مجرد مأساة محلية، بل هو انعكاس لخذلان عربي ممنهج صنعته بعض الأنظمة التي رهنت إرادتها للأجندات الخارجية، فلم يقتصر دورها على الصمت، بل امتد إلى التطبيع والخيانة والمشاركة الفعلية في تمكين الاحتلال. لولا هذا التواطؤ لما استمر الاحتلال عقودًا، ولما تحولت فلسطين إلى قضية منسية في بعض العواصم العربية
لقد رأينا كيف سلمت فلسطين، وكيف بيعت سوريا، وكيف مزق العراق واليمن، وكيف مهد الطريق أمام الاحتلال الصهيوني عبر قرارات أممية صاغتها ذات الأيادي التي تقتل الفلسطينيين اليوم. التخلي عن المقاومة لم يكن موقفًا سياسيًا، بل خيانة موصوفة، لأن من يدعو المقاومين للاستسلام، يطالب شعبًا بأسره بالرضوخ للذل والهوان.
أي منطق هذا الذي يحمل الضحية مسؤولية المجازر؟ أي حكمة تلك التي تطالب أصحاب الأرض بتسليم مفاتيح بيوتهم للغاصب والتصفيق له؟ هل من الرجولة أن يقف الإنسان متفرجًا على اغتصاب وطنه وكرامته؟ لا شريف يقبل بذلك، فمن مات دون أرضه وعرضه فهو شهيد، ومن تخاذل عن نصرته فقد خان الأمانة.
لو حاولنا تحليل هذا المنطق على سبيل الجدل، فهل كنا سنشهد الجزائر بلدًا محررًا، بعد 132 سنة من الاستعمار الاستيطاني الفرنسي لها؟! هل كنا سنشهد الهند “درة التاج البريطاني” محررة من الاستعمار البريطاني القذر؟! هل كنا سنشهد فيتنام-خسرت ثلاثة ملايين مقاتل- بلدًا محررا من الاحتلال الأمريكي “رعاة البقر وشذاذا الآفاق”؟! مال لكم بأي منطق تحكمون؟! أليس فيكم رجل رشيد!!
المسؤول عن نكبة فلسطين المستمرة ليس الاحتلال وحده، بل الأنظمة التي تآمرت وخذلت، وظلت تدور في فلك القوى الكبرى، غافلة عن أن دورها سيحين بعد فلسطين، لأن مشروع الهيمنة لا يعترف بحدود. غزة اليوم هي خط الدفاع الأول عن شرف الأمة، ومن يتركها تسقط، يسقط آخر ما تبقى من كرامة عربية.