
غازي الذيبة
لست يائسا
أتقنت عشرات المهن، وعشت بما يكفي حياتين كاملتين – على الاقل. شاهدت أكثر من حرب، وبقيت عاشقا للضوء، ومحبا لليل في مجونه. شتمت الكثير من الطغاة، ورفضت الوقوف بجانب أي لعين منهم لالتقاط صورة معه. صعدت إلى جبل في وادي عربة وصرخت تحيا فلسطين، وخرجت في عشرات المظاهرات. وتطوعت للقتال الى جانب الفدائيين في لبنان، لكنهم ـ الاوغاد، رفضوا التحاقي بهم بذريعة صغر سني.
نلت أنا وصديقي جمال بدر اعلى العلامات في فحص القدرات العقلية في مدرستي الثانوية، مع أنني نجحت في الدراسة بمساعدة جهنم. حصلت على شهادة في المحاسبة، لكنني لم أحظ بعمل في اي بنك او مصرف، لانني أردت أن أكتب قصائدي في مقهى العاصمة وجبل الجوفة، الطريف ان شخصا يدعى م. م، (هكذا يسمي نفسه) ويعيش في دولة اوروبية، تشاجرت معه، لانه اقام مهرجانا ثقافيا تطبيعيا، سخر من كتابتي للشعر لأنني احمل شهادة في المحاسبة، ومن غيظي منه، استحضرت تجربة الشاعر الانجليزي ت. س. إليوت، صاحب قصيدة الارض اليباب، الذي امتهن العمل في المحاسبة، واعتاش عليها، ونال جائزة نوبل.
تجولت في مدن لم اتخيل حتى في احلام طفل جامحة، انني ساكتب اسمها ذات يوم.
قرأت كتبا بعدد شعر رأسي ـ ربما.
اعتزلت الكتابة عشرات المرات، فأيقنت بعدها انني لم أكن أعتزل هذه الحياة، بل أعيد تجديد دمها فيّ.
كتبت لألمس الامل، وابتهجت بقراءة كتب كنت تمنيت انني مؤلفها.
تلوت قصائدي في أماكن نائية، وشعرت بالامتنان للحياة، لانني رأيت كيف يتقافز الشعر من المستمعين ويسيل من أرواحهم.
احترفت التدخين في سن مبكرة، وتوقفت عنه أربع سنوات، ثم عدت اليه لأتخلص من عادة الادمان على موافقة كل ما يقوله الاطباء.
تناولت اطباق طعام، تشبه التعاويذ في أماكن غريبة، تحتاج الى ماركيز للكتابة عنها.
صادقت العفاريت والجن، واغظت السحرة.
لا أتذكر كم عدد المرات التي ختمت فيها المصحف، واصبت أحد معلمي التجويد بالجنون، وأنا أعدل له قراءته.
لست يائسا.
كل شيء فعلته، أحببته، حتى انني أنام بضع ساعات يوميا، ولا اشعر بالموت. أقسّم يومي بين الحياة والحياة، وأرقص كل صباح مع الامل، وهو يطهو فكرة جديدة للطيور في فن التحليق.
عرفت أن الحياة أكثر من أن تجلس في قرنة نائية، لتعيش كما يموت البعير.
غ.ذ