د. أشرف الراعي
في عصر المنصات الرقمية المفتوحة، باتت مواقع التواصل الاجتماعي ميداناً خصباً للحوار والتفاعل، لكنها في الوقت ذاته أصبحت ساحة لحروب كلامية لا تهدأ، حيث تُشهر فيها أقلام الذم والقدح، ويُطلق من خلالها العنان لخطابات الكراهية والتخوين، في مشهد يعكس احياناً تحول هذا الفضاء من منصة تعبير حر إلى محكمة افتراضية، يصدر فيها البعض صكوك الغفران، ويوزع آخرون اتهامات التخوين والإقصاء دون أي حسيب أو رقيب.
أُنشئت شبكات التواصل الاجتماعي لتكون أدوات تعبير وتواصل، تتيح للجميع مساحة لطرح الأفكار والمشاركة في النقاشات العامة، إلا أن هذه الحرية تحولت عند البعض إلى حق مطلق في محاكمة الآخرين، سواء على أساس مواقفهم السياسية، أو آرائهم الفكرية، أو حتى خياراتهم الشخصية، ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه المحاكمات تتم دون أي ضوابط قانونية، ودون إفساح المجال للرد أو الدفاع، مما يجعلها أقرب إلى الاغتيال المعنوي للشخصية الذي يشوه السمعة ويدمر حياة الأفراد.
خطاب الكراهية، الذي بات ظاهرة مستشرية في العالم الرقمي، لا يقف عند مجرد التعبير عن الرأي، بل يتجاوز ذلك إلى التشهير والقدح، والتحريض ضد الأفراد والجماعات، وهذا الخطاب لا يقتصر على فئة معينة، بل يتورط فيه أفراد وجماعات، وحتى بعض الجهات التي تستغل الفضاء الرقمي لصناعة روايات مشوهة، أو لتصفية حسابات سياسية وفكرية.
وفقاً للقوانين الوطنية، تُجرم خطابات الكراهية والتحريض، وتعتبر الذم والقدح جرائم يعاقب عليها القانون، إلا أن تنفيذ هذه القوانين في البيئة الرقمية لا يزال يشكل تحدياً، خاصة مع سهولة إخفاء الهوية عبر الحسابات الوهمية، وانتشار الأخبار الزائفة التي تؤجج الفتن وتغذي الانقسامات.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: من يملك الحق في تحديد من هو الوطني ومن هو الخائن؟ ومن يخول نفسه إصدار أحكام انتماء أو إخراج الآخر من إطار الجماعة الوطنية؟ الواقع أن هذه الممارسات ليست سوى انعكاس لعقلية الإقصاء التي لا تقبل التنوع في الآراء، ولا تؤمن بأن الاختلاف جزء أصيل من أي مجتمع ديمقراطي.
في المجتمعات التي تحترم حرية التعبير، لا يُقاس الانتماء بمدى التوافق مع الرأي السائد، بل يُبنى على الالتزام بالقيم المشتركة والمصلحة العامة، والالتزام بالقانون والدستور واحترام النظام السياسي، أما في الفضاء الرقمي، فقد بات البعض يتعامل مع الاختلاف بوصفه خيانة، ومع التنوع على أنه تهديد، مما يجعلنا أمام معضلة خطيرة: هل نريد فضاءً رقمياً صحياً يعزز الحوار والتفاهم، أم منصات يتحكم فيها خطاب الإقصاء والتحريض؟
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق الجهات الرسمية فقط، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب وعياً اجتماعياً واعلامياً، فضلا عن آليات أكثر صرامة لمكافحة خطاب الكراهية، وتشديد الرقابة على المحتوى الذي يحرض على العنف أو التشهير، مع تعزيز ثقافة الحوار والتسامح.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكننا استعادة الفضاء الرقمي كمساحة حرة ومسؤولة، أم أننا سنظل عالقين في دوامة الاتهامات المتبادلة، حيث يُوزع البعض صكوك الغفران، ويُحرم آخرون من حقهم في التعبير لمجرد أنهم يختلفون؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست في القوانين وحدها، بل في وعينا كمستخدمين، وفي إدراكنا أن الاختلاف ليس جريمة، بل هو أساس أي مجتمع متحضر… حمى الله الأردن.