
نيفين عبد الهادي
أيام ثقيلة، مليئة بالدماء والجوع والعطش، والأمراض التي باتت تفتك بأطفالها وكبارها، أيام ثقيلة بالوجع والحزن، ومزيد من أعداد الشهداء، هكذا كان عيد غزة، بعيدا كل البعد عن أي معنى من معاني العيد، قصف لم يتوقف، شهداء بالعشرات، حرب إبادة تزداد عنفا وكارثية على شعب لم يتلقط أنفاسه من ويلات هذه الحرب منذ أكثر من عام.
تخجل هذه الأيام الثلاثة أو الأربعة، أن تُطلق على نفسها كلمة عيد في غزة، في ظل حرب إبادة ما تزال إسرائيل ومن يقف معها على الاستمرار بها، دون مراعاة لخصوصية المناسبة، والأخذ بواقع حال هذا الشعب الذي عاش 471 يوما من الحرب، سرعان ما عاد لويلاتها، بحرب أكثر شراسة وعنفا، لتمضي متثاقلة بهموم وأوجاع وقهر، وظلم، وجوع، ليغيب العيد وكل معانيه وملامحه عن غزة.
خيم نازحين، ومراكز إيواء، ومستشفيات، وتجمعات سكانية أو إنسانية ربما أفضل من القول بالسكانية، فلم يعد للسكن وجود في غزة، كما لم يعد للخيم أو مراكز الإيواء والمستشفيات والمساجد والكنائس أي وجود كما هو في باقي المعمورة، بقاياها كانت هدفا لإسرائيل، حتى مساحات لعب الأطفال ، أطفال غزة، التي عادوا بها لما قبل البدائية بالألعاب، لكنهم أطفال وفرحة العيد حق بسيط لهم، كلها أهداف لصواريخ إسرائيل، ليكون العدد الاكبر من شهداء «عيد غزة» من الأطفال، نعم هكذا كان عيد غزة، وحقيقة في قول كلمة «عيد» تخجل الكلمة والمعنى، فلم تكن تلك الأيام بالمطلق عيدا إنما جحيما ومجازر ومزيدا من الإبادة.
لم تتوقف إسرائيل، في حربها على غزة، لم تمنح أطفالها كما أطفال الدنيا، الفرحة بالعيد، بل الابتسامة في صباحات أيام العيد، بل على العكس زادت من أوجاعهم، وآلامهم، وجوعهم، وعطشهم، زادت من أعمارهم عشرات السنين، فهم عمالقة زمنهم، ابتعدوا آلاف الأميال عن الطفولة وتفاصيلها، لتمر أيامهم ثقيلة لمزيد من الوجع والأحزان وصغر الفرح لهم ولكل من يدرك حقيقة الإنسانية وأبسط حقوقها.
عاشت غزة هذه الأيام بكل حزن، ووجع، وخوف، بإصرار على الصمود، وأخذ الأمل من مواقف تدعمهم وتعزز صمودهم، أهمها الموقف الأردني بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، وتأكيداته على وقف إطلاق النار، ورفض التهجير، وفي ذلك ضوء ينير نفق وجعهم المظلم، وطاقة يحتاجونها تدفعهم لأمل بقادم أفضل، وهم يدركون جيدا أن الأردن مواقفه عملية، إنسانيا وإغاثيا وكذلك سياسيا ودبلوماسيا، فرغم الألم بحده الأعلى هناك أمل، ما يجعلهم ينظرون لأفق من التفاؤل.
وجع غزة يكبر، وألمها يتضاعف، عشرات المرات، وإسرائيل تصر على حربها المدمرة، ليس فقط بالقصف والتدمير، إنما بالتجويع والعطش، ومنع الغذاء والدواء، حرب على غزة ومقومات الحياة لمواطنيها، حرب تقتل وتدمر، وتشوّه، وتقطع أجساد الأطفال والنساء والمدنيين، وتحاصر عائلات بأكملها وإجلاء عائلات، والقضاء على عائلات بأكملها، واقع خطير تصر إسرائيل على المضي به، على هذه البقعة الصغيرة من هذا العالم.
الدستور