وكالة إنجاز الإخبارية
وكالة إنجاز الإخباريةعين الحقيقة

الموازنة الحرجة… حين يشتري الدين وقتا لا حلولا

التحرير
٢٤ أيلول ٢٠٢٦ 4 دقائق قراءة
الموازنة الحرجة… حين يشتري الدين وقتا لا حلولا

بقلم : محمد متعب فريحات
لم تعد أرقام المالية العامة مجرد جداول تمر على القارئ ثم تنتهي، فخلف كل رقم قصة عن حاضر الاقتصاد وما يمكن أن ينتظره في السنوات المقبلة. وحين تظهر بيانات الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 أن الحكومة أطفأت 2.151 مليار دينار من ديونها حتى نهاية تموز، في الوقت الذي اقترضت فيه 3.925 مليار دينار من خلال إصدار سندات وأذونات خزينة، فإن المشهد يستحق قراءة أبعد من عبارة استبدال دين بدين. فالمسألة تتعلق بإدارة الاستحقاقات والسيولة من جهة، وبقدرة الاقتصاد على الخروج تدريجيا من دائرة الحاجة المستمرة إلى الاقتراض من جهة أخرى.

إعادة التمويل في حد ذاتها ليست ممارسة استثنائية، بل أداة مالية تستخدمها الدول لإدارة اجال ديونها وتخفيف ضغوط الاستحقاقات، وقد يكون اللجوء إليها منطقيا عندما يسمح التمويل الجديد بآجال أفضل أو كلفة أقل. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بمشروعية الأداة، وإنما بمدى قدرتها على أن تكون جزءا من مسار طويل الأجل يخفض الحاجة إلى الاقتراض، لا مجرد وسيلة متكررة لتأجيل الاستحقاقات. فكل دين له كلفة، وكل كلفة تعني موارد عامة تذهب إلى خدمة التزامات سابقة، وقد بلغت الفوائد المترتبة على إصدارات السندات وأذونات الخزينة نحو 876 مليون دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام. وهنا تبرز كلفة الفرصة البديلة، أي ماذا كان يمكن أن تفعل الدولة بهذه الموارد لو لم تذهب إلى خدمة الدين.

ولا تقف المسألة عند الموازنة، فهناك أثر قد يلامس السوق مباشرة، وهو ما يعرف اقتصاديا بأثر المزاحمة. فعندما تتوسع الحكومة في إصدار أدوات الدين، تصبح هذه الأدوات جزءا أكبر من سوق التمويل المحلية، وقد تراها المؤسسات المالية خيارا استثماريا منخفض المخاطر نسبيا. وإذا اتسعت هذه القناة على حساب تمويل القطاع الخاص، فقد تواجه بعض الشركات، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، صعوبة أكبر في الحصول على التمويل أو تتحمل كلفة أعلى له، وهو ما قد يحد من قدرتها على التوسع والاستثمار وخلق فرص العمل.

ومن هنا يتجسد السؤال الأهم، إلى أين تذهب الأموال التي نقترضها، فإذا كان الاقتراض يستخدم لإدارة الاحتياجات التمويلية والاستحقاقات من دون أن يضيف إلى القدرة الإنتاجية للاقتصاد، فإن أثره يبقى محدودا في معالجة أصل المشكلة. أما إذا وجه التمويل إلى مشاريع ترفع الإنتاجية وتزيد القيمة المضافة في قطاعات مثل المياه والطاقة والبنية التحتية والصناعة والنقل، فإن الاقتراض يمكن أن يتحول إلى أداة لبناء قدرة اقتصادية جديدة. والفرق بين الحالتين جوهري، لأن الاقتصاد الذي يقترض ليزيد إنتاجه وإيراداته يختلف عن اقتصاد يستخدم الاقتراض بصورة متكررة لتأجيل الاستحقاقات.

كما أن المستثمر لا ينظر إلى حجم الدين منفردا، بل يراقب مساره وكلفة خدمته واجاله وقدرة الدولة على إدارته، إلى جانب قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو يوسع قاعدة الإيرادات. ولذلك فإن وضوح السياسة المالية واستقرارها، إلى جانب نمو اقتصادي حقيقي يقوده الاستثمار والإنتاج والتصدير، عناصر أساسية في بناء الثقة بالاقتصاد. ومن هنا لا ينبغي اختزال القضية في سؤال ما إذا كان الاقتراض ضروريا أم لا، بل في تفاصيل أكثر دقة تتناول حجم الاقتراض، ودواعيه، وكلفته، وأجله، ووجهته، والعائد الاقتصادي والاجتماعي المتوقع منه.

والحل لا يكمن في إدارة الدين وحدها، بل في تقليل الأسباب التي تجعل الحاجة إلى الاقتراض مستمرة. وهذا يتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين بيئة الاستثمار، ودعم القطاعات القادرة على التصدير، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز التحصيل الضريبي بصورة عادلة، ومكافحة التهرب الضريبي، واستقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة حقيقية. كما أن رؤية التحديث الاقتصادي تحتاج إلى أن تظهر نتائجها في النشاط الفعلي، من مصانع وشركات تتوسع، وصادرات ترتفع، واستثمارات تتولد عنها فرص عمل، واقتصاد تزداد قدرته على إنتاج دخله وتمويل احتياجاته.

في المحصلة، يبقى إطفاء الديون وإعادة تمويل الاستحقاقات أدوات مشروعة في إدارة المالية العامة، وقد تكون ضرورية في أوقات معينة، لكنها لا تشكل وحدها حلا نهائيا لمشكلة المديونية. فإطفاء دين لا يعني انتهاء المشكلة، كما أن الاقتراض الجديد لا يعني بالضرورة وقوع أزمة. المعيار الأهم هو الاتجاه العام للمالية العامة، وما إذا كان الاقتراض جزءا من إدارة محسوبة تقود إلى اقتصاد أكثر إنتاجا وقدرة على توليد الإيرادات، أم يتحول مع الوقت إلى حل متكرر لتأجيل الاستحقاقات.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر أهمية على طاولة القرار، ماذا صنعنا بما اقترضناه، فالدين يمكن أن يكون جسرا إلى اقتصاد أقوى إذا وجه إلى الاستثمار والإنتاج ورفع القدرة على توليد الدخل، لكنه يصبح أكثر عبئا عندما يظل دوره محصورا في شراء الوقت. والأردن يحتاج إلى أن يستثمر هذا الوقت في بناء اقتصاد يستطيع أن يمول مستقبله بموارده، بحيث يبقى الاقتراض أداة محدودة ومدروسة ضمن سياسة مالية واضحة، لا حلا دائما لكل استحقاق جديد.

مشاركة: