عجلون السياحية… هل نحتاج إلى مشاريع جديدة أم إلى إدارة حقيقية للسياحة؟
بقلم :عدي القضاة
تمتلك محافظة عجلون واحدة من أهم المقومات السياحية في الأردن؛ غابات طبيعية، ومحميات، ومواقع أثرية، ومسارات بيئية، ومناظر خلابة، ومشاريع إقامة ريفية، ومرافق ترفيهية ومغامرات. وهي مقومات تجعل منها وجهة سياحية قادرة على المنافسة محليا وإقليميا ، وتؤهلها لتكون نموذجا وطنيا في السياحة البيئية والمستدامة.
ولكن، وعلى الرغم من هذا الغنى السياحي، يبرز سؤال مهم لا بد من طرحه بصراحة: هل المشكلة في عجلون هي نقص المشاريع السياحية ، أم غياب الإدارة والتنظيم والرقابة على القطاع السياحي؟
لقد شهدت المحافظة خلال السنوات الماضية توسعا في إنشاء المشاريع السياحية، من الأكواخ وبيوت الضيافة والمطاعم إلى مواقع المغامرات والأنشطة الترفيهية، إلا أن هذا التوسع لم يواكبه بالضرورة تطور مماثل في منظومة إدارة الوجهة السياحية، أو في توحيد معايير جودة الخدمات، أو في وجود رقابة متخصصة تضمن سلامة الزوار وحقوقهم.
فاليوم، تعمل العديد من المشاريع السياحية بصورة منفردة، وباجتهادات خاصة، ودون وجود منظومة متكاملة تنظم العلاقة بين هذه المشاريع، وتحدد الحد الأدنى من مستوى الخدمات التي يجب تقديمها، وتضمن أن تكون تجربة الزائر متناسبة مع ما دفعه من أموال وما شاهده في الإعلانات والعروض السياحية.
السياحة ليست مجرد إنشاء أكواخ ومطاعم ومواقع ترفيهية !
إن نجاح الوجهة السياحية لا يقاس بعدد المشاريع التي يتم افتتاحها، بل بقدرتها على تقديم تجربة سياحية متكاملة، تبدأ من سهولة الوصول إلى الموقع، مرورا بجودة الخدمة والنظافة والأسعار، وانتهاء بسلامة الزائر ورضاه عن التجربة.
ومن أبرز الإشكاليات التي تستحق المعالجة تفاوت أسعار الإقامة والخدمات السياحية، وغياب التصنيف الواضح الذي يمكن الزائر من معرفة مستوى المنشأة قبل الحجز. فليس من المنطقي أن تتساوى المشاريع التي تقدم مستويات مختلفة من التجهيز والخدمة، كما لا يجوز أن تبقى الأسعار والخدمات دون شفافية أو معايير واضحة.
نحن بحاجة إلى نظام تصنيف حقيقي للمشاريع السياحية، يشمل الأكواخ وبيوت الضيافة والمطاعم والمرافق الترفيهية، بحيث ترتبط الفئة بمستوى الخدمة والمواصفات والتجهيزات، مع إلزام جميع المشاريع بإعلان أسعارها والخدمات التي تقدمها بوضوح، وتفعيل الرقابة على الالتزام بالتشريعات والتعليمات الناظمة.
أما القضية الأكثر حساسية فهي سياحة المغامرة… فسلامة الإنسان ليست مجالا للاجتهاد!
مع التوسع في أنشطة المغامرات مثل الانزال والتسلق، والأنشطة الجبلية، تزداد الحاجة إلى رقابة فنية متخصصة لا تكتفي بوجود ترخيص للمشروع، بل تتحقق من سلامة كل تفصيل يتعلق بتشغيل النشاط.
فهل هناك متابعة دورية للتأكد من صلاحية الحبال وأحزمة الأمان ومعدات الإنزال والتثبيت؟ وهل تخضع المعدات للفحص الفني والصيانة وفق المعايير المعتمدة؟ وهل العاملون مؤهلون ومدربون على الإنقاذ والتعامل مع الطوارئ؟ وهل توجد سجلات موثقة لفحص المعدات وتحديد عمرها التشغيلي؟
إن استخدام معدات متهالكة أو منخفضة الجودة، أو تشغيل أنشطة المغامرات دون التأكد من استيفاء اشتراطات السلامة، قد يعرض حياة الزوار للخطر، ويشكل تهديدا مباشرا لسمعة السياحة في المحافظة.
ولا بد من التأكيد أن هذه الأنشطة يجب أن تخضع لمعايير فنية واضحة، وفحوصات متخصصة من الجهات المؤهلة، مع صلاحية إيقاف أي نشاط يشكل خطراً على سلامة المواطنين والزوار.
من هنا، أقترح إطلاق مبادرة جديدة بعنوان: «مرصد عجلون للسياحة الآمنة والمستدامة»
وهي مبادرة تهدف إلى الانتقال من الرقابة التقليدية إلى منظومة حديثة لمتابعة وتقييم المشاريع السياحية، بالشراكة بين وزارة السياحة والآثار، ومحافظة عجلون، والبلديات، والدفاع المدني، والجهات الرقابية والفنية المختصة، ومؤسسات المجتمع المحلي والقطاع السياحي.
وتقوم المبادرة على إنشاء قاعدة بيانات لجميع المشاريع السياحية، وتصنيفها حسب طبيعة النشاط ومستوى الخدمات، وإجراء زيارات رقابية دورية ومفاجئة، وتقييم مستوى النظافة والخدمة والأسعار والسلامة العامة.
ومن الأفكار العملية التي يمكن تطبيقها منح كل مشروع سياحي بطاقة ثقة سياحية إلكترونية تتضمن رمز QR، يستطيع الزائر من خلاله الاطلاع على ترخيص المشروع وتصنيفه والخدمات والأسعار المعلنة، وتاريخ آخر تقييم أو فحص ذي علاقة، إضافة إلى إمكانية تقديم الشكاوى والملاحظات.
كما أقترح تخصيص مسار رقابي مستقل لسياحة المغامرة، يتضمن سجلات إلكترونية للمعدات وشهادات مطابقتها، وتواريخ فحصها وصيانتها، ومؤهلات العاملين، وخطط الإنقاذ والإخلاء، بحيث لا يسمح بتشغيل الأنشطة عالية المخاطر إلا بعد استكمال متطلبات السلامة المعتمدة.
إن الهدف من هذه المبادرة ليس التضييق على المستثمرين أو تعطيل المشاريع السياحية، بل على العكس تماماً؛ حماية المستثمر الجاد من المنافسة غير العادلة، وحماية الزائر من الخدمات غير المطابقة لتوقعاته، ورفع مستوى الثقة بالمنتج السياحي في عجلون.
عجلون لا تحتاج إلى مزيد من المشاريع العشوائية، بل إلى مشاريع منظمة، وخدمات موثوقة، وإدارة سياحية حقيقية.
إننا بحاجة إلى الانتقال من ثقافة افتتاح المشاريع إلى ثقافة إدارة المشاريع، ومن التركيز على عدد الزوار إلى التركيز على جودة تجربتهم، ومن الاكتفاء بالترويج السياحي إلى بناء منتج سياحي يستحق الترويج.
فالسائح الذي يزور عجلون ويغادر راضيا عن تجربته هو أفضل وسيلة للتسويق للمحافظة، والسائح الذي يتعرض لتجربة سيئة قد ينقل انطباعه السلبي إلى مئات الأشخاص.
لقد آن الأوان لأن نضع ملف تنظيم السياحة في عجلون على طاولة المسؤولين، وأن نبدأ بحوار جاد حول مستقبل هذا القطاع، لأن سمعة عجلون السياحية مسؤولية مشتركة، وحمايتها ليست مسؤولية صاحب مشروع أو مؤسسة بعينها، بل مسؤولية الجميع.
منتجات عجلون المحلية… من يحمي هويتها ويضمن أصالتها؟
ومن القضايا التي لا تقل أهمية عن تنظيم المشاريع السياحية، قضية تسويق وبيع المنتجات العجلونية، والتي تحتاج إلى وقفة جادة، خصوصاً في ظل غياب التنظيم الواضح لأماكن بيع المنتجات المحلية، وعدم وجود آلية كافية للتحقق من أن المنتجات التي تُباع وتُسوّق على أنها منتجات عجلونية هي بالفعل من إنتاج أبناء المحافظة أو مصنوعة فيها.
فمن غير المقبول أن تتحول صفة «منتج عجلوني» إلى مجرد اسم تجاري يُستخدم لأغراض التسويق، دون وجود ضمانات حقيقية لمصدر المنتج أو جودته أو الجهة المنتجة له.
إن المنتج العجلوني ليس مجرد سلعة تباع للسائح، بل هو جزء من هوية المحافظة وتراثها واقتصاد مجتمعها المحلي. فالعسل العجلوني، وزيت الزيتون، والمربيات، والأعشاب، والصناعات الغذائية والريفية والحرف اليدوية، جميعها منتجات تمثل قيمة اقتصادية وثقافية وسياحية يجب حمايتها.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تنظيم أماكن بيع المنتجات المحلية، وتحديد مواقع أو منافذ بيع معتمدة، ووضع معايير واضحة لمنح صفة «منتج عجلوني»، والتحقق من مصدر المنتجات والجهة المنتجة، مع اعتماد بطاقة تعريف توضح اسم المنتج ومصدره ومكان إنتاجه وبيانات المنتج.
كما يجب حماية المنتجين المحليين من المنافسة غير العادلة، ومنع تسويق المنتجات المستوردة أو القادمة من خارج المحافظة على أنها منتجات عجلونية، لما لذلك من أثر سلبي على ثقة الزوار وعلى سمعة المنتج المحلي.
وأقترح إطلاق علامة تجارية سياحية موحدة تحت مسمى «صنع في عجلون»، تمنح للمنتجات المستوفية لمعايير المنشأ والجودة، وتكون مرتبطة بنظام اعتماد ومتابعة ورقابة، مع تخصيص منافذ بيع منظمة في المواقع السياحية الرئيسية، بما يضمن وصول المنتجات الأصلية إلى الزوار ويدعم أصحاب المشاريع والأسر المنتجة والحرفيين.
عجلون تستحق سياحة منظمة، واستثمار مسؤول، ورقابة تحمي ابنائة ومنتجاتة ، وإدارة تصنع الثقة.
مدير محمية غابات عجلون للمحيط الحيوي




